قد نعرف أن علاقةً ما تستنزفنا، ونلاحظ أنها تتركنا قلقين أو حزينين أكثر مما تمنحنا الطمأنينة، ومع ذلك نجد أن الابتعاد عنها ليس سهلًا. وقد يدور السؤال نفسه مرارًا: إذا كنت أعرف أن هذه العلاقة تؤذيني، فلماذا أتمسّك بها؟
ليس لهذا السؤال جواب واحد. فصعوبة الابتعاد لا تعني بالضرورة ضعف الشخصية، كما أن شدة التعلّق لا تعني أن العلاقة مناسبة. أحيانًا يساعدنا فهم التعلّق على رؤية ما يحدث بوضوح أكبر، بعيدًا عن لوم الذات أو اختزال الطرف الآخر في تشخيص سريع.
عندما تصبح العلاقة مصدرًا للأمان والخوف معًا
تساعد نظرية التعلّق على فهم الطريقة التي نتعامل بها مع القرب العاطفي، والحاجة إلى الأمان، والخوف من الرفض أو الفقد في العلاقات المهمة. وفي دراسات التعلّق لدى البالغين يظهر بُعدان أساسيان لعدم الأمان: قلق التعلّق وتجنّب التعلّق.
قد يظهر قلق التعلّق في انشغال متكرر باحتمال الرفض أو الهجر، وحاجة كبيرة إلى الاطمئنان. وقد تظهر أسئلة مثل: لماذا لم يرد؟ هل تغيّر؟ هل سيتركني؟ ماذا لو خسرت هذه العلاقة؟ أما تجنّب التعلّق فقد يرتبط بعدم الارتياح للقرب الشديد أو الاعتماد العاطفي على الآخر.
هذا لا يعني أن كل شخص يجب أن يضع نفسه في خانة ثابتة. الفكرة الأهم هي ملاحظة ما يحدث لنا عندما نشعر بأن العلاقة مهددة.
لماذا لا تكفي نصيحة: «اترك العلاقة»؟
من الخارج قد تبدو المسألة بسيطة: إذا كانت العلاقة تؤذيك، ابتعد عنها. لكن التجربة من الداخل قد تكون أكثر تعقيدًا. عندما يشعر الإنسان بتهديد علاقة مهمة، قد تزداد الحساسية للرفض، ويصبح طلب الطمأنينة أو مراقبة إشارات البعد أكثر حضورًا.
لذلك قد يعرف الشخص بعقله أن العلاقة لا تناسبه، بينما يشعر في الوقت نفسه بخوف حقيقي من خسارتها. فهم هذا التناقض مهم؛ لأنه يساعدنا على التعامل مع التجربة بدل توبيخ أنفسنا عليها.
وفي الوقت نفسه، فهم التعلّق لا يبرر الإساءة. لا ينبغي استخدام نظرية التعلّق لتفسير العنف أو السيطرة أو الإهانة بطريقة تجعل الشخص يتحمل الأذى.
هل كل تعلّق قوي غير صحي؟
لا. من الطبيعي أن نفتقد من نحب، وأن نحزن عند انتهاء علاقة مهمة، وأن نحتاج إلى القرب والاهتمام. الاحتياج العاطفي جزء من التجربة الإنسانية، وليس مشكلة بحد ذاته.
لكن من المفيد أن نسأل أنفسنا: هل أستطيع التعبير عن احتياجاتي دون خوف مستمر؟ هل توجد مساحة للاختلاف والحدود؟ هل أشعر بالاحترام والأمان؟ هل ما زالت لدي حياتي واهتماماتي وعلاقاتي خارج هذه العلاقة؟ وهل أصبح خوفي من فقد الشخص أقوى من قدرتي على تقييم ما تفعله العلاقة بي؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من وصف كل علاقة صعبة بأنها «سامة»، أو وصف كل شخص متردد في الانفصال بأنه «متعلّق مرضيًا».
أنماط التعلّق ليست حكمًا نهائيًا
من الشائع اليوم أن نسمع عبارات مثل: «أنا قلِق التعلّق» أو «هو تجنّبي»، ثم تُفسَّر العلاقة كلها من خلال هذا الوصف. لكن الأدبيات العلمية أكثر حذرًا من ذلك. خبرات الطفولة قد تسهم في تشكيل أنماط التعلّق، لكنها لا تحدد مستقبل الإنسان بصورة حتمية، كما أن خبرات العلاقات اللاحقة لها أهميتها.
كذلك فإن العلاقة ليست تجربة فرد واحد فقط. طريقة استجابة الطرفين للضغط والاحتياجات العاطفية قد تزيد الشعور بالأمان أو تقلله. ولهذا فإن استخدام مفهوم التعلّق ينبغي أن يكون وسيلة للفهم، لا ملصقًا للتشخيص.
عندما نخلط بين شدة المشاعر وجودة العلاقة
قد تكون المشاعر قوية جدًا، لكن قوتها وحدها ليست دليلًا على أن العلاقة صحية. القلق والترقب والخوف من الفقد والاشتياق الشديد بعد الخلاف قد تجعل العلاقة تشغل مساحة كبيرة من التفكير، ومع ذلك تبقى هناك أسئلة أخرى لا بد منها: هل يوجد احترام؟ هل أشعر بالأمان؟ هل يمكننا الحديث عن الخلاف دون تهديد أو إذلال؟ وهل تسمح لي العلاقة بأن أكون نفسي؟
وتشير المراجعات البحثية إلى ارتباط قلق التعلّق وتجنبه بانخفاض الرضا عن العلاقات في المتوسط. لكن هذه نتائج على مستوى مجموعات كبيرة، وليست أداة للحكم على مصير علاقة بعينها أو لتشخيص شريك من بعيد.
كيف أبدأ بفك هذا التشابك؟
البداية ليست أن تقول لنفسك: «يجب أن أتوقف عن الشعور». المشاعر لا تختفي بالأوامر. البداية الأقرب للواقع هي الملاحظة.
لاحظ المواقف التي تجعل خوفك من الفقد شديدًا. ما الفكرة التي تظهر فورًا؟ ماذا تفعل للحصول على الاطمئنان؟ وهل يمنحك هذا السلوك راحة مؤقتة ثم يعيد القلق من جديد؟
بعد ذلك، حاول ألا تجعل العلاقة المصدر الوحيد للأمان. حافظ على علاقات اجتماعية داعمة، واهتماماتك، وأهدافك، وروتينك اليومي. وتدرّب على حدود واضحة تحدد ما تقبله وما لا تقبله. الحدود ليست عقابًا للطرف الآخر؛ إنها طريقة لحماية احتياجاتك وقيمك.
وقد يكون سؤال بسيط مفيدًا: هل أختار هذه العلاقة لأنها مناسبة لي، أم أن خوفي من خسارتها أصبح يختار نيابة عني؟
متى أحتاج إلى مساعدة متخصصة؟
إذا أصبح الخوف من الفقد شديدًا، أو تكررت علاقات تسبب معاناة واضحة، أو وجدت صعوبة في وضع الحدود رغم معرفتك بالأذى، فقد تساعد الاستشارة النفسية مع مختص مؤهل على فهم الأنماط العاطفية وتنظيم المشاعر وبناء طرق أكثر أمانًا في العلاقات.
أما إذا كانت العلاقة تتضمن عنفًا أو تهديدًا أو سيطرة أو إساءة، فلا ينبغي اختزال الأمر في «نمط تعلّق». في هذه الحالات قد تكون الأولوية للحصول على دعم متخصص وخطة أمان مناسبة.
أخيرًا
فهم أسباب تمسّكنا بعلاقة تؤذينا لا يعني لوم أنفسنا، ولا يعني إيجاد الأعذار للطرف الآخر. أحيانًا تبدأ الخطوة الأكثر أهمية عندما نسأل بهدوء: ما الذي أخاف من فقده فعلًا؟ وما الاحتياج الذي أحاول الحصول عليه من هذه العلاقة؟
قد لا نملك القدرة على تغيير الطرف الآخر، لكن يمكننا أن نفهم أنفسنا بصورة أعمق، وأن نبني مصادر أمان أكثر اتزانًا، وأن نتعلم أن القرب الحقيقي لا يحتاج منا إلى التخلي عن حدودنا أو كرامتنا أو سلامنا النفسي.
العلاقة الآمنة لا تعني غياب الخلاف، لكنها تسمح بأن يبقى الاحترام والأمان والقدرة على التعبير عن الاحتياجات موجودة حتى عندما نختلف.
مراجع للاستزادة
Fraley, R. C. (2019). Attachment in Adulthood: Recent Developments, Emerging Debates, and Future Directions. Annual Review of Psychology, 70, 401–422. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-010418-102813
Fraley, R. C., & Roisman, G. I. (2019). The development of adult attachment styles: Four lessons. Current Opinion in Psychology, 25, 26–30. https://doi.org/10.1016/j.copsyc.2018.02.008
Overall, N. C., Pietromonaco, P. R., & Simpson, J. A. (2022). Buffering and spillover of adult attachment insecurity in couple and family relationships. Nature Reviews Psychology, 1, 101–111. https://doi.org/10.1038/s44159-021-00011-1
Li, T., & Chan, D. K. S. (2012). How anxious and avoidant attachment affect romantic relationship quality differently: A meta-analytic review. European Journal of Social Psychology, 42(4), 406–419. https://doi.org/10.1002/ejsp.1842
Candel, O.-S., & Turliuc, M. N. (2019). Insecure attachment and relationship satisfaction: A meta-analysis of actor and partner associations. Personality and Individual Differences, 147, 190–199. https://doi.org/10.1016/j.paid.2019.04.037
